Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النحل - الآية 1

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email
أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) (النحل) mp3
سُورَة النَّحْل وَهِيَ مَكِّيَّة كُلّهَا فِي قَوْل الْحَسَن وَعِكْرِمَة وَعَطَاء وَجَابِر . وَتُسَمَّى سُورَة النِّعَم بِسَبَبِ مَا عَدَّدَ اللَّه فِيهَا مِنْ نِعَمه عَلَى عِبَاده . وَقِيلَ : هِيَ مَكِّيَّة غَيْر قَوْله تَعَالَى : " وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ " [ النَّحْل : 126 ] الْآيَة ; نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ فِي شَأْن التَّمْثِيل بِحَمْزَة وَقَتْلَى أُحُد . وَغَيْر قَوْله تَعَالَى : " وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرك إِلَّا بِاَللَّهِ " [ النَّحْل : 127 ] . وَغَيْر قَوْله : " ثُمَّ إِنَّ رَبّك لِلَّذِينَ هَاجَرُوا " [ النَّحْل : 110 ] الْآيَة . وَأَمَّا قَوْله : " وَاَلَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّه مِنْ بَعْد مَا ظُلِمُوا " [ النَّحْل : 41 ] فَمَكِّيّ , فِي شَأْن هِجْرَة الْحَبَشَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : هِيَ مَكِّيَّة إِلَّا ثَلَاث آيَات مِنْهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ بَعْد قَتْل حَمْزَة , وَهِيَ قَوْله : " وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّه ثَمَنًا قَلِيلًا " إِلَى قَوْله " بِأَحْسَن مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " [ النَّحْل : 95 ] .

" أَتَى أَمْر اللَّه فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ " قِيلَ : " أَتَى " بِمَعْنَى يَأْتِي ; فَهُوَ كَقَوْلِك : إِنْ أَكْرَمْتنِي أَكْرَمْتُك . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَخْبَار اللَّه تَعَالَى فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَل سَوَاء ; لِأَنَّهُ آتٍ لَا مَحَالَة , كَقَوْلِهِ : " وَنَادَى أَصْحَاب الْجَنَّة أَصْحَاب النَّار " [ الْأَعْرَاف : 44 ] . و " أَمْر اللَّه " عِقَابه لِمَنْ أَقَامَ عَلَى الشِّرْك وَتَكْذِيب رَسُوله . قَالَ الْحَسَن وَابْن جُرَيْج وَالضَّحَّاك : إِنَّهُ مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآن مِنْ فَرَائِضه وَأَحْكَامه . وَفِيهِ بُعْد ; لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَل أَنَّ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَة اِسْتَعْجَلَ فَرَائِض اللَّه مِنْ قَبْل أَنْ تُفْرَض عَلَيْهِمْ , وَأَمَّا مُسْتَعْجِلُو الْعَذَاب وَالْعِقَاب فَذَلِكَ مَنْقُول عَنْ كَثِير مِنْ كُفَّار قُرَيْش وَغَيْرهمْ , حَتَّى قَالَ النَّضْر بْن الْحَارِث : " اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدك " الْآيَة , فَاسْتَعْجَلَ الْعَذَاب .

قُلْت : قَدْ يَسْتَدِلّ الضَّحَّاك بِقَوْلِ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : وَافَقْت رَبِّي فِي ثَلَاث : فِي مَقَام إِبْرَاهِيم , وَفِي الْحِجَاب , وَفِي أُسَارَى بَدْر ; خَرَّجَهُ مُسْلِم وَالْبُخَارِيّ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَة الْبَقَرَة . وَقَالَ الزَّجَّاج : هُوَ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنْ الْمُجَازَاة عَلَى كُفْرهمْ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ : " حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرنَا وَفَارَ التَّنُّور " [ هُود : 40 ] . وَقِيلَ : هُوَ يَوْم الْقِيَامَة أَوْ مَا يَدُلّ عَلَى قُرْبهَا مِنْ أَشْرَاطهَا . قَالَ اِبْن عَبَّاس : لَمَّا نَزَلَتْ " اِقْتَرَبَتْ السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر " [ الْقَمَر : 1 ] قَالَ الْكُفَّار : إِنَّ هَذَا يَزْعُم أَنَّ الْقِيَامَة قَدْ قَرُبَتْ , فَأَمْسِكُوا عَنْ بَعْض مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ , فَأَمْسَكُوا وَانْتَظَرُوا فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا , فَقَالُوا : مَا نَرَى شَيْئًا فَنَزَلَتْ " اِقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ " [ الْأَنْبِيَاء : 1 ] الْآيَة . فَأَشْفَقُوا وَانْتَظَرُوا قُرْب السَّاعَة , فَامْتَدَّتْ الْأَيَّام فَقَالُوا : مَا نَرَى شَيْئًا فَنَزَلَتْ " أَتَى أَمْر اللَّه " فَوَثَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ وَخَافُوا ; فَنَزَلَتْ " فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ " فَاطْمَأَنُّوا , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ ) وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ : السَّبَّابَة وَاَلَّتِي تَلِيهَا . يَقُول : ( إِنْ كَادَتْ لَتَسْبِقنِي فَسَبَقْتهَا ) . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ بَعْث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَشْرَاط السَّاعَة , وَأَنَّ جِبْرِيل لَمَّا مَرَّ بِأَهْلِ السَّمَوَات مَبْعُوثًا إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا اللَّه أَكْبَر , قَدْ قَامَتْ السَّاعَة .


أَيْ تَنْزِيهًا لَهُ عَمَّا يَصِفُونَهُ بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَقْدِر عَلَى قِيَام السَّاعَة , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : لَا يَقْدِر أَحَد عَلَى بَعْث الْأَمْوَات , فَوَصَفُوهُ بِالْعَجْزِ الَّذِي لَا يُوصَف بِهِ إِلَّا الْمَخْلُوق , وَذَلِكَ شِرْك . وَقِيلَ : " عَمَّا يُشْرِكُونَ " أَيْ عَنْ إِشْرَاكهمْ . وَقِيلَ : " مَا " بِمَعْنَى الَّذِي أَيْ اِرْتَفَعَ عَنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا بِهِ .
none
Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email

كتب عشوائيه

  • المزهر في علوم اللغة وأنواعها

    المزهر في علوم اللغة وأنواعها : اهتم العرب بتراثهم اللغوي اهتماماً كبيراً, وقد بدأ هذا واضحاً في المؤلفات التي وضعوها, ولاسيما ما يتصل بدراسة القرآن وتفسيره, وكذا الحديث النبوي الشريف, وقد ترك لنا علماؤنا تراثاً لغوياً كبيراً ما زال بعضه مفقوداً وما زال قسم منه مخطوطاً ينتظر أن يرى النور على يدي الباحثين, ولم يقف الاهتمام عند القدماء فحسب بل تواصل حتى عصرنا هذا, فلا يزال يلقى الاهتمام نفسه و من ذلك الاهتمام هذا الكتاب الذي يبحث في: معرفة الصحيح ويقال له الثابت والمحفوظ, معرفة ما روي من اللغة ولم يصح ولم يثبت, معرفة المتواتر من الآحاد, معرفة المتواتر والآحاد, معرفة المرسل والنقطع, معرفة الأفراد, معرفة من تقبل روايته ومن ترد, معرفة طرق الأخذ والعمل, معرفة المصنوع, معرفة الفصيح, معرفة الضعيف والمنكر والمتروك من اللغات, معرفة الرديء والمذموم من اللغات, معرفة المطرود والشاذ, معرفة الحواشي والغرائب والشواذ والنوادر,معرفة المستعمل والمهمل, معرفة المفاريد, معرفة مختلف اللغة, معرفة تداخل وتوافق اللغات, معرفة المعرب, معرفة الألفاظ الإسلامية, معرفة المولد, خصائص اللغة, معرفة الاشتقاق والحقيقة والمجاز والمشترك اللفظي والأضداد والمترادف والاتباع والخاص والعام والمطلق والمقيد والمشجر والإبدال والقلب والأمثال والآباء والأمهات والأبناء والأخوة وما ورد بوجهين ومعرفة الملاحن والألغاز وفيتافقية العرب.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141397

    التحميل:

  • الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى

    الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى: بين المؤلف - حفظه الله - في هذا الكتاب مفهوم الحكمة الصحيح في الدعوة إلى الله تعالى وأنواعها، ودرجاتها، وأركـانها التي تقوم عليها، ومعاول هدمها، وطرق ومسالك اكتسابها، ومواقف الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى، التي أعز الله بها الإسلام وأهله، وأذل بها الكفر والعصيان والنفاق وأعوانها، وحكمة القول مع أصناف المدعوين على اختلاف عقائدهم وعقولهم وإدراكاتهم ومنازلهم، وحكمة القوة الفعلية مع المدعوين: الكفار، ثم عصاة المسلمين.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/276139

    التحميل:

  • رسالة رمضان

    رسالة رمضان : قال المؤلف - رحمه الله -: « فهذه رسالة مختصرة جامعة فيما يهم المسلم في شهر رمضان من صيام وقيام وقراءة قرآن وصدقة وغير ذلك مما ستراه موضحًا فيها إن شاء الله تعالى ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/231257

    التحميل:

  • فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: معنى الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلّم - وفضلِها وبيان كيفيتها، مع ذكر نماذجَ من الكتب المؤلفة في هذه العبادة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2157

    التحميل:

  • حدد مسارك

    حدد مسارك: اشتمل هذا الكتاب على خمسة فصول; وهي كالآتي: الفصل الأول: من أين أتيت؟ إثبات وجود الله الواحد الأحد. الفصل الثاني: إثبات نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، واشتمل على سبعة مباحث. الفصل الثالث: بعض سمات الإسلام. الفصل الرابع: النتيجة المترتبة على الإيمان والكفر. الفصل الخامس: وماذا بعد؟ وقد جعله خاتمة الفصول، ونتيجةً لهذا البحث.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330750

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة